الشيخ محمد رشيد رضا
461
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كشف عن عظمة البر والبحر بقوله ( وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ) وذلك لان العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ، ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة الا والحق سبحانه يعلمها ، ثم يتجاوز من هذا المثال إلي مثال آخر أشد هيبة منه وهو قوله ( وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ) وذلك لان الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض مواضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفيا فيها ، فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض علي اتساعها وعظمتها لا تخرج من علم اللّه تعالي البتة صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليها بقوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) بحيث تتحير العقول فيها ، وتتقاصر الافكار والألباب عن الوصول إلي مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخري فقال ( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) وهو عين المذكور في قوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية ومن اللّه التوفيق « ( المسألة الثانية ) المتكلمون قالوا أنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الاحكام والاتقان ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها ، والحكماء قالوا أنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها ، واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغييرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب « ( المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) يدل على كونه تعالي منزها عن الضد والند . وتقريره أن قوله ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) يفيد الحصر أي عنده لا عند غيره ، ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر وحينئذ يبطل الحصر ، وأيضا فكما ان لفظ